أحمد الخراز البغدادي

70

كتاب الصدق أو الطريق السالمة

فأسكنه اليقين ، وأشرف به على الآخرة ، فسهل عليك عند ذلك العسير ، وألان لك من نفسك الصعب الذلول ، ثم اختصر بك الطريق إليه ، فقرّ قرارك ؛ وقامت حياتك ، وطاب عيشك . فبذلك تعرف السيّد الكريم ، الذي لا تنقصه المواهب ، ولا ينفد نائله ، لأنه البرّ الرحيم ، الذي تسمى : الشكور ! ! فيا عجبا كلّ عجب ، وعجب كلّ متعجّب ، ولا عجب ، إذ كان السيّد الكريم : يفعل ما يريد . ولكن موضع العجب : يلزم العبيد من شكره لعبيده ، الأمر الذي بدأهم به ، ودلهم عليه ، واستعملهم به ، وحفظ عليهم ، ثم أحبهم عليه ، ونسبه إليهم فعلا ، ثم كتبه لهم في المقبول ، ثم أثنى به عليهم بما وعدهم عليه الجزاء ! ! فهذا البر الآن من الكريم : لا نقف عليه العباد ، بل نحير فيه العقول ! هيهات « 1 » أيها السائل المريد ! ! استيقظ من طول هذه الرقدة ، إنما هذه أسماء علقها عليهم : أنهم فاعلون ، وأمور نسبها إليهم ، وما أظنها إلا له ، والتوفيق به ، والصنعة منه ، في صنعته التي تفرد بإنشائها وإبدائها لما شاء وهو : الفعال لما يريد ، الذي يصيب برحمته من يشاء ! ! والعقلاء عن اللّه ، عزّ وجلّ ، من عباده : يتلقون الأمور على هذا الوصف والشرح ، ويرجعون في الأشياء إليه ، ويرونها منه سبحانه ، لأنه كان بدأها ، وعليه تمامها ، فهو القائم بها ، وإليه مرجعها ! ! و لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [ الروم : 4 ] . أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ الأعراف : 54 ] . وأما الضعفاء من الخلق ، فإنهم يرون لأنفسهم ها هنا فعلا ، هيهات ، إذا صدقوا وأخلصوا ، طلبوا الجزاء من اللّه ، عزّ وجلّ ، على ذلك ، وذلك : مبلغهم من العلم ، ولهم عند اللّه تعالى خير كبير . وأذكر لك مقاما آخر ، فاعرض نفسك ، وغيرك عليه : ممن تراه من العبيد ، يشير إلى المعرفة والعلم ، والسكون إلى اللّه ، عزّ وجلّ . فإن كنت قد شربت بكأس المعرفة باللّه تعالى ، فأطلعك اللّه ، بصفاء اليقين ، على ما سبق لك عنده في القديم ، حين أرادك قبل أن تريده وكان لك عالما قبل أن

--> ( 1 ) هيهات وهيهات : اسم فعل بمعنى بعد . نحو : هيهات ما تريد ، أو هيهات لما تريد .